ابن عبد الرحمن الملطي

75

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

قال : ( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) [ 216 ] ، لأنهم زعموا أنه حين زعم أن الله نفسا فقد كفر . بلغ بهم الغلو إلى تكفير الأنبياء عليهم السلام ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . ومنهم صنف زعموا : أن الجنة والنار لم يخلقها الله بعد ، وأنهما تفنيان بعد خلقهما فيخرج أهل الطاعة من الجنة بعد دخولها إلى الحزن بعد الفرح ، والغم بعد السرور ، والشقاء بعد الرخاء ، جميع أهل الجنان من الملائكة والأنبياء والمؤمنين وإن الجنة تخرب بعد عمارتها حتى تصير رميما لا أحد فيها . ويخرج أهل النار بعد دخولها فيصير إلى القرح بعد الحزن ، وإلى السرور بعد الغم ، وإلى الرخاء بعد الشقاء . جميع أهل النار من الأبالسة والفراعنة والكافرين وإن النار تخرب بعد عمارتها حتى تخنق أبوابها ، وليس فيها أحد ، فيصرف ثواب الله عن أوليائه وعقاب الله عن أعدائه تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . ومنهم صنف أنكروا الميزان : أنكروا أن يكون لله ميزان يزن فيه الخلق أعمالهم ، وأنكروا الصراط : أن يكون الله عز وجل يجيز على الصراط أحدا ؛ وأنكروا الكرام الكاتبين : أن يكون الله عز وجل يجعل على عباده حفظه يحفظون أعمالهم وأنكروا الشفاعة : أن يشفع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لأحد من أمته ، وأن يخرج الناس من النار بعد ما دخلوها ، وأنكروا عذاب القبر ، ومنكرا ونكيرا ، وزعموا أن الروح تموت كما يموت البدن . وأن ليس عند الله أرواح ترزق شهداء ولا غيرهم ، وأنكروا الإسراء أن يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وأنكروا الرؤيا ، وزعموا أنها أضغاث أحلام . وأنكروا أن يكون ملك الموت يقبض الأرواح تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . وهذا إجماع كلام الجهمية ، وإنما سموا جهمية لأن الجهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية ، صنف من العجم بناحية خراسان ، وكانوا شككوه في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يوما ، وقال : لا أصلي لمن لا أعرفه ثم اشتق هذا الكلام ، وبنى عليه من بعده .